فصل: فصل في ذكر إبراهيم خليل الرحمن صلى الله عليه وسلم:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال مجد الدين الفيروزابادي:

بصيرة في ذكر ابراهيم عليه السلام:
وإِبراهِيمُ اسمٌ أَعْجمِيٌّ، وفيه لغاتٌ: إِبْراهامُ، وإِبْراهُوم، وإِبْراهَمُ، وإِبراهُم، وإِبْراهِم، وأَبْرَهَم، وإِبْرُهُم، قال عبد المطَّلب:
عُذْت بما عاذَ به إِبْراهِمُ ** مُسْتَقْبِلَ القبلة وهْوَ قائم

انْفِى لِوَجْهِ القُدْسِ عانٍ راغِم ** مهما تُجَشِّمْنِى فإِنّى جاشِمُ

والجمعُ أَبارِه وأَبارِيهُ وأَبارِهة وبَراهِمُ وبَراهمة وبِراهٌ وتصغِيرهُ بُرَيْهٌ، وقيل أُبَيْرِه، وقيل بُرَيْهِيم.
وأَكثر المحقِّقين على هذا أَنَّه اسم جامدٌ غير مُشْتَقٍّ.
وقال بعض المتكلِّفين، قال: إِنَّه اسمٌ مركَّب من البراءِ والبُرْء والبراءة، ومن الهَيَمانِ والوهْم والهمّة، فقالوا: برِئ من دُونِ اللهِ، فهام قَلْبُه بذكْرِ الله.
وقال بعضهم: برأَ من عِلَّة الزَلَّة فهمَّ بالحُلُول في محَلَّة الخُلَّة.
وقيل بَرَأَهُ الله في قالَبِ القُرْبَة فَهَّم بصدق النيَّةِ إِلى مَلَكوت الهِمَّة.
قال بعضهم:
وكنتُ بلا وَجْدٍ أَموتُ من الهَوَى ** وهامَ عَلَىَّ القَلْبُ بالخَفَقانِ

فَلَّما أَرانِى الوَجْدُ أَنَّك حاضِرِى ** شَهِدْتُك مَوْجُودًا بكلِّ مَكانِ

وقال بعضهم: إِبْ بالسُّرْيانِيّة معناه الأَبُ، وراهيم معناه الرَّحِيم، فمعناه أَبٌ رَحِيمٌ.
وقد ذكر الله سبحانَه إِبْراهِيمَ بالتَّعريض والتصْريح في كتابه بخمسين اسما، منه: المُبْتَلَى بقوله: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ}، والمُتِمّ بقوله: {فَأَتَمَّهُنَّ}.
والإِمامُ بقوله: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا}، والمُطَهِّرُ بقوله: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ} والرَّافع بقوله: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ}، والحنِيفُ والمُسْلِمُ بقوله: {حَنِيفًا مُّسْلِمًا}، والصّالح بقوله: {وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ}، والمُطْمَئِنّ: {وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}، والأُمَّةُ والقانِتُ: {أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ} والشاكِرُ والمُجْتَبَى والمَهْدِىُّ: {شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ}، والرّائى: {رَأَى كَوْكَبًا}، والبَرِئ: {إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}، والمُتَوَجِّه إِلى الله: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ}، والحَلِيمُ، والأَوّاهُ، والمُنِيبُ بقوله: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ}، والمُتَبرِّئُ عَمَّا دُونَ الله بقوله: {تَبَرَّأَ مِنْهُ}، والمُبَشِّرُ بقوله: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ}، والبَعْلُ والشَّيْخُ: {وَهذا بَعْلِي شَيْخًا}، ومُبارَكٌ: {وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ}، والمُضِيفُ بقوله: {وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ}، والمَذْكُور: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ}، والصّدِّيق والَّنبِىُّ: {إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا}، والرَّشِيدُ بقوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ} والفَتَى بقوله: {سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ}، والوافِى: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى}، والطَّامِع بقوله: {أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي}، ووارثُ الجَنَّة: {وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ}، وأَبو المِلَّة: {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ}، ومُؤَذِّنُ الحَجِّ: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ}، وسَقِيمُ الحُبّ: {إِنِّي سَقِيمٌ}، وشِيْعة الأَنبياء: {وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ}، والذاهِب إِلى الله: {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي}، والمُهاجرُ إِلى ربّه: {إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي}، ومُنادَى الحَقِّ: {وَنَادَيْنَاهُ أَن ياإِبْرَاهِيمُ}، والمُحْسِنُ: {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}، والمُؤْمِنُ: {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ}، والمُرْسَلُ: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ}، والحامِدُ: {الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ}، والمَوْهُوب لَهُ: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً}: والخَلِيل وإِبْراهيم: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا}.
وذكر الله تعالى إِبْراهِيم باسمه في بِضْعٍ وخمسين موضعا من الكتاب العزيز منها: {نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}، {قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً}، {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ}، {وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}، {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ}، {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى}، {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ}، {فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ}، {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ}، {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا}، {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ}، {فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}، {رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى}، {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ}، {يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَاذَا}، {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا الْبَلَدَ آمِنًا}، {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ}، {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ}، {آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ}، {بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ}، {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ}، {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ}، {وَنَادَيْنَاهُ أَن ياإِبْرَاهِيمُ}، {سَلاَمٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ}، {وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ}، {أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ}، {صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى}، {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا}.
قالوا وكان لإِبراهيم عليه السّلام في طريق الحقّ عشر مقاماتٍ نال بها غاية المرامات: الأَوّل مقام الطَّلَب: {هذا رَبِّي}، الثَّانى مقامُ الدَّعْوة: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ}، الثالث مقام الفضيلة: {وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}، الرابع مقام الفَقْر والفاقة: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ}، الخامِسُ مقامُ النِّعمة: {وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ}، السّادِس مقام المغفرة: {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي}، السّابع مقام المحبَّة: {أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى}، الثامن مقامُ المعْرِفَة: {وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ}، التَّاسع مقام الهيئة: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ}، العاشر مقام الوِراثة: {وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ}، وفى هذا المقام حصل له الاستِغناء عن الواسطة والوسِيلة فقال: حسْبِى من سُؤَاله عِلْمُه بحالى.
هاج نَسِيمُ الوصْلِ فاسْتَعَرتْ ** نارٌ إِليهِ تحسن المطْلَبا

ما ذكراى له مطَّرحا ** وغَيْره سُراىَ له مَشْربا

بيْت جمالٍ رامه مسْكَنًا ** حبْل وِصالٍ راضَهُ مرْكبا

لا يبْتَغِى غَيْر رضا ربِّهِ ** لا يدَّعِى دُون الوفا مذْهبا

هذا خليل اللهِ في غارة ** غار على الكَوْنَيْن فاسْتَغْربا

أرسلَ طَيْر الفِكْر مُسْتَغْنيا ** عن عالمِ العِزَّة حتَّى كَبا

جَنَّ عليه اللَّيْل في ظلْمةٍ ** راود بدْرا ورأَى كَوْكَبا

قال المُؤرّخون؛ هاجر إِبراهيمُ عليه السّلام من العِراق إِلى الشام، وبلغ عُمْرُه مائة وخَمْسا وسبعين سنة، وقيل مائتى سنَة ودُفِن بالأَرض المُقَدَّسة، وقبره مقطوعٌ به أَنَّه في تلك المربعة، ولا يقطع بقَبْر نبىّ وماكنه غير قبر نبيّنا محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم ومكان قبر إِبراهيم عليه السّلام:
وروَيْنا في الصّحيحين قال رُسُول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «اخْتَتَنَ إِبراهيمُ عليه السّلام وهو ابن ثمانِين سنة بالقَدُومِ».
وفى الصّحيحين مرفوعا: «أَوّل الخلائِق يُكْسَى ورأَيت إِبراهِيمَ وأَنا أَشْبَهُ وَلَدِه به» وفيه أَيضا: أَنّ رَجُلا قال للَّنبِىّ صلَّى الله عليه وسلَّم: يا خَيْرَ البَرِيَّة، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «ذاكَ إِبراهيم».
وهذا محمولٌ على التَّواضع لقَوْلِه صَلَّى الله عليه وسلَّم: «أَنا سَيّد وَلَدِ آدم».
وعند البُخارِىّ عن ابن عباسِ قال: «كان آخرُ قَوْلِ إِبراهيم حين أُلْقِىَ في النَّارِ حَسْبِىَ الله ونعْمَ الوَكيل» وفى الصّحيحين في حديث الإِسراء ورُؤْيَته الأَنْبِياء، وَأَنَّه رأَى إِبراهيمَ في السَّماء السّادسَة وأَنَّهُ رآه مُسْندًا ظَهْرَهُ إِلى البَيْت المَعْمُور.
ورَوَيْنا في المُوَطَّإِ عن سَعيد بن المُسَيَّب قال: «كان إِبراهيمُ النبي صلى الله عليه وسلَّم أَوَّلَ النَّاس ضيّفَ الضَيْفَ، وأَوَّل النَّاس اخْتَتَن، وأَوَّل النَّاس قَصَّ شارِبَه، وأَوّل النَّاس رأَى الشَيْبَ.
فقال يا ربّ ما هذا؟ فقال الله تعالى: وَقارٌ، فقال: يا ربّ زِدْنى وَقارًا»
.
ورَوَيْنا في تاريخ دمَشْق بزيادةٍ: «وأَوَّل من اسْتَحَدَّ وَقَّلمَ أَظفارَهُ».
أَخبرنى المُسْند المُعَمَّر الشيخ مُحْيِى الدّين أَبو زكريّا يَحْيى بن محلى بن الحَدّاد عن الشيخ أَبى زكريّا يَحْيَى النَّواوِىّ عن أَبى محمَّد بن قُدامَهَ عن أَبى حَفْص بن طَبَرْ زَدْ، عن أَبى فَتْحِ الكروخىّ، عن القاضى ابن عامرٍ، عن أَبى محمّد الجَرّاحىّ، عن أَبى العباس المحتوى، عن أَبى عيسىَ التِّرْمذىّ، عن عبد الله بن أَبى زِيادٍ عن يَسارٍ، عن عبد الواحد بن زِيادٍ، عن عبد الرّحمان ابن إِسحاق، عن القاسم بن عبد الرَّحْمان عن أَبِيه عن ابنِ مَسْعُودٍ رضى الله عنه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: «لَقيتُ إِبْراهيمَ لَيْلَةَ أُسْرِىَ بى فقال يا محمَّد أَقْرِئ أَمّتَك منى السّلام وأَخبرهم أَنَّ الجنَّة طيِّبَةُ التُّرْبَة، عَذْبَة الماءِ، وأَنَّها قِيعانٌ، وأَنَّ غِراسَها سُبحانَ الله، والحَمْدُ للِه، ولا إِله إِلاَّ الله، والله أَكبر».
قال الترمذىّ: حديثٌ حَسَنٌ.
وفى تاريخ دمشق: وُلد إِبْراهيم بغُوطَة دِمَشْق بقرية يقال بها بَرْزَةُ هكذا في هذه الروّاية، والصحيح أَنَّه وُلد بكوثَى من أَرض العراق بإِقْليم بابل، وإِنما نٌسب إِليه هذا للْمُقام بَبْرزَة، لأَنه صلَّى فيه لما جاء مُعينًا للوط عيله السلام.
وفى التاريخ المذكور: أَنّ أَبا إِبراهيم آزَرَ كان من أَهل حَرّان، وأَنّ أمّ إِبراهيم اسمُها بونا وقيل نونا، وأَنّ نُمْرُوذَ حَبَسَهُ سَبْعَ سنين ثم ألْقاه في النار.
وأَنَّه كان يُدْعَى أَبا الضِّيفان، وتجارته كانت في البُرِّ،- وأَنَّ النارَ لم تَنَلْ منه إِلاّ وَثاقه لتَنْطَلق يَداهُ.
ولمّا قال الله تعالى: {يانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} بَرَدَت النارُ في ذلك الوقت على أَهْلِ المَشْرِق والمَغْرِب، وأَنَّ جِبْرِيلَ مَرَّ به حين أُلْقى في الهَواء فقال: «يا إِبراهيمُ أَلَكَ حاجَة؟ فقال: أَمَّا إِلَيْك فَلاَ».
وعن علىّ رضى الله عنه، أَنّ البغَال كانت تَتَناسَل وأَنَّها كانت أَسْرَعَ الدّوابِ في نَقْلِ الحَطَبِ لنارِ إِبراهيمَ فدَعا عليها فقَطَع الله نَسْلَها.
وعن الحَسَنِ البصرىّ في قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} قال: ابْتلاهُ بالكَوْكَبِ فوَجَدُه صابرًا، وابْتلاهُ بالقَمَر فوَجَده صابرًا، وابْتلاه بالشَّمْس فوَجَده صابِرًا، ثمّ ابتلاه بالنَّار فوجده صابرًا، ثمّ ابتلاه بَذْبحِ وَلَده فوجده صابرًا.
وعن مجاهدٍ أَنَّ إِبراهيم وإِسْماعيل حَجَّا مَاشِيَيْن.
وعنه في قوله تعالى: {ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ} إِكرامُهم أَنَّه خَدَمَهم بنَفْسه.
وفى حديثٍ مرفوع أَنَّه كان من أَغْيَرِ النَّاس.
وكان سَبَب وفاة إِبراهيم أَنَّه أَتاه مَلَكٌ في صورة شَيْخ كبير يُضَيِّفه، وكان يأْكل كل ويُسيلُ طعامَه على لحْيَته وصدره، فقال إِبراهيم: يا عبدَ الله: ما هذا؟ قال: بلغتُ الكِبَرَ الذي يكون صاحبُه هكذا، قال وكم أَتَى عَلَيْك؟ قال مائتا سنة،- ولإِبراهيم يومئذ مائتا سنة، فكره الحياة لئلا يصير إِلى هذه الحال، فمات بلا مرض.
وقال بعض العلماء توفِّىَ إِبراهيمُ وداودُ وسليمانُ صلوات الله عليهم فَجْأَةً، وكذلك موت الصّالحين.
وهو تخفيف على المؤمن المراقب. اهـ.

.فصل في ذكر إبراهيم خليل الرحمن صلى الله عليه وسلم:

قال ابن القيم:
وهذا الاسم من النّمط المتقدم فإن إبراهيم بالسريانية معناه أب رحيم والله سبحانه وتعالى جعل إبراهيم الأب الثالث للعالم، فإن أبانا الأول آدم، والأب الثاني نوح، وأهل الأرض كلهم من ذريته، كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ} الصافات: 77، وبهذا يتبين كذب المفترين من العجم الذين يزعمون أنهم لا يعرفون نوحًا ولا ولده، ولا ينسبون إليه، وينسبون ملوكهم من آدم إليهم، ولا يذكرون نوحًا في أنسابهم، وقد أكذبهم الله عز وجل في ذلك.
فالأب الثالث أب الآباء وعمود العالم، وإمام الحنفاء الذي اتخذه الله خليلًا، وجعل النبوة والكتاب في ذريته، ذاك خليل الرحمن، وشيخ الأنبياء كما سماه النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فإنه لما دخل الكعبة وجد المشركين قد صوروا فيها صورته وصورة إسماعيل ابنه وهما يستقسمان بالأزلام، فقال: قاتلهم الله، لقد علموا أن شيخنا لم يكن يستقسم بالأزلام ولم يأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتبع ملة أحد من الأنبياء غيره، فقال تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} النحل: 123، وأمر أمته بذلك فقال تعالى: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْل} الحج: من الآية 78، وملة منصوب على إضمار فعل، أي: اتبعوا والزموا ملة إبراهيم، ودل على المحذوف ما تقدم من قوله: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} الحج: من الآية 78، وهذا هو الذي يقال له الإغراء. وقيل: منصوب انتصاب المصادر، والعامل فيه مضمون ما تقدم قبله، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي أصحابه إذا أصبحوا وإذا أمسوا أن يقولوا: أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد، وملة أبينا إبراهيم حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين.
وتأمل هذه الألفاظ كيف جعل الفطرة للإسلام، فإنه فطرة الله التي فطر الناس عليها، وكلمة الإخلاص هي: شهادة أن لا إله إلا الله، والملة لإبراهيم فإنه صاحب الملة، وهي التوحيد وعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، ومحبته فوق كل محبة. والدين للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو دينه الكامل وشرعه التام الجامع لذلك كله.
وسماه الله سبحانه: إمامًا وأمة، وقانتًا، وحنيفًا. وقال تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} البقرة: 124، فأخبر سبحانه أنه جعله إمامًا للناس، وأن الظالم من ذريته لا ينال رتبة الإمامة، والظالم هو المشرك، وأخبر سبحانه أن عهده بالإمامة لا ينال من أشرك به، وقال تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [النحل: 121- 122- 123].